الشيخ محمد رشيد رضا
411
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
حضرة زكريا عليه السّلام ولدا ينتهى اليه ماله ويصل إلى يده متاعه ويظهر لفوات ذلك الحزن والخوف فان ذلك يقتضى صريحا كمال المحبة وتعلق القلب بالدنيا وما فيها وذلك بعيد عن ساحته العلية وهمته القدسية . وأيضا لا معنى لخوف زكريا عليه السّلام من صرف بنى أعمامه ماله بعد موته ، أما ان كان الصرف في طاعة فظاهر واما ان كان في معصية فلأن الرجل إذا مات وانتقل المال إلى الوارث وصرفه في المعاصي لا مؤاخذة على الميت ولا عتاب ، على أن دفع هذا الخوف كان متيسرا له بأن يصرفه ويتصدق به في سبيل اللّه تعالى قبل وفاته ويترك ورثته على انقى من الراحة واحتمال موت الفجأة وعدم التمكن من ذلك لا ينتهض عند الشيعة لان الأنبياء عندهم يعلمون وقت موتهم . فما مراد ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالوراثة الا وراثة الكمالات النفسانية والعلم والنبوة المرشحة لمنصب الحبورة . فإنه عليه السّلام خشي من أشرار بني إسرائيل أن بحرفوا الاحكام الآلهية والشرائع الربانية ولا يحفظوا عمله ولا يعملوا به ويكون ذلك سببا للفساد العظيم فطلب الولد ليجرى أحكام اللّه تعالى بعده ويروج الشريعة ويكون محط رحال النبوة وذلك موجب لتضاعيف الأجر واتصال الثواب ، والرغبة في مثله من شأن ذوى النفوس القدسية والقلوب الطاهرة الزكية « فان قيل الوراثة في وراثة العلم مجاز وفي وراثة المال حقيقة وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز بلا ضرورة فما الصرورة هنا ؟ أجيب بأن الضرورة هنا حفظ كلام المعصوم من التكذيب ، وأيضا لا نسلم كون الوراثة حقيقة في المال فقط بل صار لغلبة الاستعمال في العرف مختصا بالمال وفي أصل الوضع إطلاقه على وراثة العلم والمال والمنصب صحيح ، وهذا الاطلاق هو حقيقته اللغوية ، سلمنا أنه مجاز ولكن هذا المجاز متعارف ومشهور بحيث يساوى الحقيقة خصوصا في استعمال القرآن المجيد ومن ذلك قوله تعالى ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ - و - أُورِثُوا الْكِتابَ ) إلى غير ما آية « ومن الشيعة من أورد هنا بحثا وهو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا لم يورث أحدا فلم أعطيت أزواجه الطاهرات حجراتهن ؟ والجواب أن ذلك مغالطة لان افراز الحجرات للأزواج إنما كان لأجل كونها مملوكة لهن لا من جهة الميراث بل لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بنى كل حجرة لواحدة منهن فصارت الهبة مع القبض متحققة وهي موجبة للملك وقد بنى